السيد الطباطبائي

17

نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )

أخرى كثيرة ، إذا اجتمعت صارت علّة تامّة يجب معها الفعل [ 1 ] . وأمّا الإنسان نفسه فجزء من أجزاء العلّة التامّة [ 2 ] نسبة الفعل إليه بالإمكان دون الوجوب ، والكلام في إيجاب العلّة التامّة [ 3 ] لا مطلق العلّة [ 4 ] . على أنّ تجويز استواء نسبة الفاعل المختار إلى الفعل وعدمه إنكار لرابطة العلّيّة [ 5 ] ولازمه تجويز علّيّة كلّ شيء لكلّ شيء ومعلوليّة كلّ شيء لكلّ شيء . فإن قلت : هب أنّ الإنسان الفاعل المختار ليس بعلّة تامّة ، لكنّ الواجب

--> ( 1 ) بل الإنسان واستقامة الجوارح الفعّالة والداعي إلى الفعل والإرادة وغيرها إنّما هي معدّات يقرّب المادّة إلى إفاضة الفاعل الحقيقي ، وهو الواجب تعالى ، فما يجب معه الفعل هو إفاضة الواجب تعالى ، وهو العلّة التامّة . فالإنسان المختار الّذي له أن يرجّح ما شاء من الفعل أو الترك ليس علّة تامّة للفعل حتّى يجب وجود المعلول عند وجوده واختياره . كيف واختيار الإنسان أيضا ممّا أفاضه الواجب تعالى ، أي تعلّقت مشيئته إلى كونه مختارا بحيث يتمكّن من الفعل والترك ، وهذا معنى الأمر بين الأمرين ، كما سيأتي . ( 2 ) بل هو من المعدّات الّتي تهيّئ المادّة للخروج من العدم إلى الوجود بعد إفاضة الفاعل الحقيقيّ ، غاية الأمر أنّه مختار ، فله أن يفعل وله أن لا يفعل ، وهذا ما تعلّقت به مشيئة الواجب تعالى . ( 3 ) لا يخفى أنّ الكلام ليس في إيجاب العلّة التامّة الّذي يرجع إلى الوجوب بالغير ، بل الكلام في الوجوب بالقياس إلى الغير ، أي وجوب الوجود المعلول عند وجود العلّة التامّة ووجوب وجود العلّة التامّة عند وجود المعلول . ( 4 ) أي : حتّى العلّة الناقصة . ولكن قد مرّ أنّها ليست علّة حقيقيّة . ( 5 ) لا يخفى أنّ تجويز استواء نسبة الفاعل المختار إلى الفعل وعدمه من حيث إنّه فاعل بالفعل إنكار لرابطة العلّيّة ، فإنّ الاستواء يستلزم أن لا يكون الفاعل فاعلا ، فيصير كغيره من الأشياء أجنبيّا عن المعلول ، وحينئذ يلزم منه إمّا تجويز عدم فاعليّة الفاعل وهذا تناقض ، وإمّا تجويز علّيّة كلّ شيء لكلّ شيء ومعلوليّة كلّ شيء لكلّ شيء وهذا باطل بالضرورة . وأمّا تجويز استواء نسبة الفاعل المختار إليهما من حيث إنّه مختار - قبل أن يؤثّر في الشيء - فليس إنكارا لرابطة العلّيّة ، لأنّ المفروض أنّه لم يؤثّر في الشيء ، فلا علّيّة بينه وبين الشيء حتّى تنكر ، بل إنّما هو المختار بمعنى أنّ له أن يرجّح الفعل فيصير فاعلا وعلّة له أو يرجّح الترك فلا يصير فاعلا وعلّة له .